
الإسلام في بلجيكا: فراغ مؤسساتي خطير يهدد الاندماج والأمن القومي – ومسار تجديد مُجهَض
بقلم سيد الحسين بنلعايل
بروكسل، 31 يناير 2026
بعد مرور ما يقرب من اثنين وخمسين عاماً على الاعتراف الرسمي بالإسلام في بلجيكا عام 1974، لا تزال بلادنا تشكل استثناءً مقلقاً في أوروبا؛ فهي لا تزال تفتقر إلى هيئة تمثيلية مستقرة، شرعية، وفاعلة بشكل كامل لمجتمع مسلم يُقدر اليوم بأكثر من 800,000 نسمة، أي حوالي 8 إلى 9% من السكان، مع توقعات تتجاوز 10 إلى 12% بحلول عام 2030 في بعض المناطق.
إن هذا الفراغ المؤسساتي المطول لم يعد مجرد خلل إداري بسيط، بل أضحى يشكل خطراً حقيقياً على التماسك الاجتماعي، ومكافحة التطرف، وعلى الأمن القومي بشكل أوسع.
اعتراف قانوني مفرغ من محتواه
لقد وضع قانون عام 1974 الإسلام على قدم المساواة مع الأديان الأخرى المعترف بها، مما فتح الباب أمام التمويل العام: رواتب الأئمة، منح المساجد المعترف بها، تدريس التربية الإسلامية في المدارس العامة (ساعتان أسبوعياً)، الإرشاد الديني في السجون والمستشفيات، بالإضافة إلى مربعات دفن خاصة.
ومع ذلك، يظل هذا الاعتراف نظرياً إلى حد كبير. فمنذ سحب الاعتراف بـ « الهيئة التنفيذية لمسلمي بلجيكا » (EMB) في سبتمبر 2022 — عقب تقرير صارم من أمن الدولة ندد بتدخلات أجنبية واسعة — تعيش بلجيكا في منطقة رمادية مؤسساتية خطيرة.
وعلى الرغم من حلها قضائياً في مارس 2024، إلا أن الهيئة التنفيذية (EMB) تواصل الوجود الفعلي على الأرض وبث البيانات الصحفية في عامي 2025-2026، مطعنةً في شرعية الهيئة التي كان من المفترض أن تخلفها.
مجلس مسلمي بلجيكا: حل مؤقت تحول إلى مشكلة هيكلية
في يونيو 2023، تم الاعتراف بـ « مجلس مسلمي بلجيكا » (CMB) بصفة مؤقتة لمدة عامين. وفي يونيو 2025، وبسبب تمثيلية اعتبرت غير كافية — حيث لم ينضم إليه سوى 60 إلى 65% من المساجد، مع استبعاد ملحوظ لاتحادات كبرى، لاسيما التركية منها — لم تمنح الوزيرة أنيليس فيرليندن سوى تمديد محدود لمدة عام واحد، ينتهي في 25 يونيو 2026. وبعد هذا التاريخ، لا توجد آفاق واضحة مضمونة.
هدر مقلق: مسار تجديد مُجهَض بين عامي 2023 و2025، استثمرت الدولة البلجيكية موارد هائلة — مالية وإدارية وبشرية — في مسار مهيكل لتجديد مجلس مسلمي بلجيكا (CMB). تم تشكيل لجنة مواكبة، وصياغة تقارير مفصلة مشفوعة بتوصيات واضحة:
- تشكيل جمعية عمومية منبثقة بالأولوية عن الكتل والاتحادات التمثيلية للمساجد.
- إرساء مسار انتخابي شفاف.
- إيجاد تجذر فعلي في واقع الممارسة الدينية الميدانية.
لكن، تم إفراغ كل شيء من جوهره. فقد جرى تجاهل تقرير لجنة التجديد، أو التقليل من شأنه، أو الحط من قيمته، كما استُبعدت توصيات لجنة المواكبة. والنتيجة هي ولادة هيئة معاقة بشكل جسيم.
لقد بدت الجمعية العمومية ومجلس الإدارة بتركيبة تفتقر إلى أي تجذر فعلي داخل الاتحادات التمثيلية، بما يخالف روح ونص مسار التجديد. فخلفية العديد منهم تخلو من الخبرة الميدانية الملموسة ومن الشرعية المجتمعية، مما أعطى صورة لمؤسسة تتألف من مجرد بيادق قابلة للاستبدال وأدوات سهلة التوجيه.
وقد أدى هذا الانفصال إلى تعميق هوة انعدام الثقة، وتفاقم الانقسامات الداخلية، وعرقلة أي تقدم جاد نحو بروز إسلام بلجيكي مستقل، ذي مصداقية وشامل للجميع.
تبعات الفراغ المؤسساتي المطول…