7 février 2026

شهر رمضان: بين مِعراج الأرواح وموسم الأرباح.. هل تحول الشهر الفضيل إلى سوق لجمع الأموال؟

بقلم سيد الحسين بنلعايل ناءب الرئيس دبلماتكنيوز

​يطل علينا شهر رمضان المبارك، ذلك الميقات الرباني الذي ينتظره المؤمنون لتزكية النفوس والتقرب من الله بالعبادة والطاعات. إن هذا الشهر، في أصله ومبتداه، هو مدرسة « الإمساك » عن المشتهيات لفتح آفاق الروح، غير أنه في الآونة الأخيرة بات يطرح تساؤلاً جوهرياً يمس جوهر الروحانية المعاصرة: هل ما زال شهر رمضان هو ذاك الملاذ الروحي المخصص حصراً للعبادة، أم تحول بفعل العولمة الجارفة والنزعات المادية إلى فرصة تجارية ومناسبة موسمية كبرى لجمع التبرعات وتكديس الأموال؟

فلسطين.. بين عاطفة المصلين وشباك القوانين

​إن ما يثير الريبة ويستدعي وقفة تأملية عميقة، هو تلك الظاهرة التي تتكرر كل عام: تكاثر حملات جمع التبرعات لفلسطين في شهر رمضان تحديداً. فبينما يندفع المصلون بعاطفتهم الإيمانية الصادقة، نجد أنفسنا أمام واقع جيوسياسي مرير؛ فنحن نعلم يقيناً أن أكثر الأموال التي تُجمع لفلسطين تمر حتماً عبر قنوات ومؤسسات إسرائيلية في « تل أبيب »، وتخضع لرقابة أمنية ومالية صارمة لا تغفل عنها عين.

​وهنا تبرز المفارقة؛ فالجمعيات والمنظمات تدرك جيداً القيود القانونية الدولية التي تمنع إرسال الأموال مباشرة إلى مستحقيها، مما يفتح باباً واسعاً من التساؤلات المشروعة: كيف يُسمح لعدد كبير من المساجد بجمع ملايين الدراهم واليورو في شهر رمضان تحت ذريعة نصرة القضية؟ إننا نتساءل بمرارة: هل تصل هذه الأموال حقاً لتضمد جراح الفلسطينيين، أم أنها تضل طريقها لتستقر في جيوب بعض القائمين على المؤسسات الدينية وتُقسم بينهم في غياب تام للرقابة والشفافية؟ إن هذا النوع من « التجارة بالعواطف » هو أبعد ما يكون عن الأمانة التي دعا إليها محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

الفرق بين العلم والسكينة وبين بريق الإعلانات

​إن المتأمل في واقعنا المعاصر يجد أن بريق العبادة الصادقة التي كان يجسدها نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، قد بدأ يزاحمه صخب الحملات الإعلانية وضجيج المجمعات المالية. فبينما يُفترض أن يكون الصيام وسيلة لـ »المعرفة » (تلك التي تنبع من الذات وتولد مع الإنسان كما نؤمن) وليس مجرد « علم » ورقي جاف، نجد أن « صناعة الخير » تحولت إلى غاية في حد ذاتها. لقد تحول المشهد من سكينة التعبد التي ميزت عهد محمد صلى الله عليه وآله وسلم وآله وصحبه، إلى « استعراض مالي » يطمس جوهر التقوى.

مفترق الطرق: العودة إلى النهج المحمدي

​إننا اليوم أمام مفترق طرق قيمي وتاريخي؛ فبين نبل التكافل الاجتماعي وحقيقة التعبد الخالص لله، تبرز ضرورة العودة إلى الأصول. فالأصل في شهر رمضان هو تنقية الحواس، حيث يسبق « السمعُ » « البصرَ » في التلقي الروحي، كما علمنا القرآن الكريم. فكيف لنا أن نسمح بتحويل الصلاة والقيام إلى مجرد خلفية لمشاريع مشبوهة لجمع الأموال؟

​لقد آن الأوان لنعيد لـ شهر رمضان هيبته القدسية، ليكون شهراً تُرتقى فيه الأرواح وتُبنى فيه المعرفة الحقة، لا مجرد رقم في سجلات الحسابات البنكية. مقتدين في ذلك بالمنهج الحق الذي تركه لنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، حيث كانت يده كالريح المرسلة في العطاء، سراً لا جهراً، وصدقاً لا استغلالاً، لتبقى الصدقة ظلاً للمؤمن يوم القيامة، لا وسيلة لثراء المنتفعين.

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *