7 février 2026

إلى أصحاب المنابر وصنّاع القرار: حين تتحوّل السلطة إلى اختبار أخلاقي

بقلم: بنلعايل الحسين – كاتب سياسي واختصاصي في التأهب للإرهاب

إلى أصحاب المنابر الإعلامية،
إلى رجال الصحافة،
إلى من بيدهم القرار في عالمنا العربي…

ليست كل سلطة ظالمة، ولكن كل سلطة تُساء إدارتها قد تتحوّل إلى خطر على أوطانها.
وليست كل الأنظمة فاسدة، ولكن الفساد حين يُحمى أو يُبرَّر يصبح سياسة غير معلنة، وثقافة تهدد الاستقرار على المدى الطويل.

إن الكلمة الحرة ليست تهديدًا للأمن، بل ضمانة له.
أما تزييف الوعي، وتلميع الإخفاق، وإسكات الأصوات النقدية باسم الاستقرار، فهو استقرار هشّ — ينهار عند أول اختبار حقيقي.

في بعض الدول، لا يُعاقَب الفشل، بل يُعاد تدويره.
ولا يُكافَأ الصدق، بل يُحاصَر.
ولا تُسمَع النصيحة، بل تُفسَّر على أنها تهديد.
وهنا تبدأ الأزمة: حين تُصبح الحقيقة عبئًا بدل أن تكون بوصلة.

إلى بعض صُنّاع القرار:


القوة ليست في السيطرة على الإعلام، بل في امتلاك الشجاعة لسماع ما لا يُعجبكم.
فالدولة التي تخشى الصحفي الحر، هي دولة تشعر بعدم الأمان من الحقيقة أكثر من خوفها من الفوضى.

وإلى بعض المؤسسات الإعلامية:
حين يتحوّل الإعلام من مراقب مستقل إلى شريك صامت في الأخطاء،
فإنه لا يحمي الدولة، بل يؤجّل لحظة المحاسبة ويُعمّق فجوة الثقة بين الشعوب ومؤسساتها.

هذه ليست رسالة تصعيد، ولا خطاب تهديد، بل نصيحة سياسية صريحة من منطلق الحرص على الاستقرار، والوقاية من الأزمات، وتجنّب سيناريوهات رأينا آثارها المؤلمة في عدد من الدول العربية.

لسنا بصدد تعميم الاتهامات، فهناك دول تبذل جهودًا حقيقية للإصلاح، وتحاول تحقيق التوازن بين الأمن والتنمية. لكن في المقابل، هناك أنظمة لم تُدرك بعد أن الزمن تغيّر، وأن الشعوب لم تعد تقبل أن تُدار بعقلية قديمة في عالم سريع التحوّل.

إن الاستقرار لا يُصنع بالقمع وحده، ولا بالخطاب الإعلامي المزيّن، ولا بتأجيل الإصلاحات الحقيقية.
فالاستقرار الذي لا يقوم على العدالة والكرامة وتكافؤ الفرص هو استقرار هشّ، قد يصمد مؤقتًا، لكنه ينهار عند أول أزمة كبرى.

لقد علّمتنا تجارب بعض الدول — مثل مصر وتونس وليبيا — أن تراكم الغضب الشعبي، وغياب قنوات التعبير، وتجاهل المطالب الاجتماعية والاقتصادية، يمكن أن يؤدي إلى انفجارات غير متوقعة، تخرج عن السيطرة وتفتح أبواب الفوضى والتدخلات الخارجية.

ليس الهدف استحضار هذه الأمثلة لإثارة المخاوف، بل لاستخلاص الدروس السياسية بوعي ومسؤولية:
حين يشعر المواطن أن بلده لا يوفر له حياة كريمة،
وحين يرى أن الفرص حكر على فئة محدودة،
وحين يعتقد أن صوته لا قيمة له…
فإن الإحباط قد يتحوّل إلى غضب، والغضب قد يتحوّل إلى رفض كامل للنظام القائم.

إن أذكى استثمار سياسي يمكن أن تقوم به أي دولة اليوم هو الاستثمار في مواطنيها:

  • توفير فرص عمل حقيقية للشباب،
  • ضمان تعليم محترم ومتاح للجميع،
  • تحسين الخدمات الصحية والاجتماعية،
  • محاربة الفساد بقرارات واضحة لا بشعارات،
  • وفتح المجال للنقد المسؤول بدل محاربته.

فالشعوب التي تشعر بالأمان الاقتصادي والكرامة الإنسانية لا تفكّر في الانقلاب على دولها، بل تدافع عنها وتحميها.
أما الشعوب التي تعيش التهميش والإهانة والبطالة وغياب الأمل، فإنها تصبح فريسة سهلة لخطابات الغضب، أو المشاريع المتطرفة، أو التدخلات الخارجية.

ومن منظور الوقاية من التطرف والإرهاب، فإن العدالة الاجتماعية، والشفافية، وإشراك الشباب في الحياة العامة، ليست رفاهية سياسية، بل ضرورة أمنية استراتيجية.
فالإرهاب لا ينشأ فقط من الأفكار المتشددة، بل أيضًا من الإحساس بالظلم، وانسداد الأفق، وغياب الثقة في المؤسسات.

إلى بعض الحكّام والملوك:
إن توفير الحياة الكريمة لشعوبكم ليس ضعفًا، بل هو أقوى ضمان لاستمرار الاستقرار والشرعية.
والإصغاء لصوت المواطن ليس تهديدًا للهيبة، بل تعزيز لها.
والاعتراف بالأخطاء والإصلاح التدريجي أكثر حكمة من انتظار لحظة الانفجار.

فالتاريخ الحديث يثبت أن الأنظمة التي تسبق الأزمات بالإصلاح تعيش أطول، وتخرج أقوى، وتحافظ على مكانتها داخليًا ودوليًا.
أما الأنظمة التي تؤجل الإصلاح، وتكتفي بالحلول الأمنية، فإنها تراكم المشكلات حتى تتحول إلى أزمة شاملة يصعب التحكم في نتائجها.

لسنا ندعو إلى الفوضى، ولا إلى إسقاط الدول، بل ندعو إلى حماية الدول من السقوط عبر الحكمة السياسية والاستباق الاستراتيجي.
فالدولة القوية هي التي تصالح شعبها مع مؤسساتها، لا التي تُدير شعبها بالخوف وحده.

إن المستقبل لن يكون لمن يملك القوة فقط، بل لمن يفهم شعبه، ويستثمر في شبابه، ويؤمن بأن الشرعية الحقيقية تُبنى بالخدمة لا بالسيطرة.

وفي الختام، فإن الرسالة واضحة:
من يوفر لشعبه الأمن والكرامة والفرص، يضمن ولاءه واستقرار بلده.
أما من يراكم الإحباط والتهميش، فإنه — ولو دون قصد — يفتح الباب أمام المجهول.

الإصلاح اليوم أهون من الفوضى غدًا.
والحكمة السياسية هي أن نمنع الأزمات قبل أن تقع، لا أن نحاول السيطرة عليها بعد فوات الأوان.

بنلعايل الحسين
كاتب سياسي واختصاصي في التأهب للإرهاب

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *