21 janvier 2026

المغرب بين صمت العرش وقلق المستقبل

بقلم سيد الحسين بنلعايل ناءب الرئيس دبلماتكنيوز

يمر المغرب بإحدى تلك المراحل العصيبة التي يصبح فيها صمت القصور أكثر صخباً من عواصف الأزمات. منذ أسابيع، تحول سؤال كان يُهمس في أروقة الرباط إلى قضية تشغل بال جميع المحافل الدبلوماسية بحدة ملحوظة: أين الملك؟ فبينما تتكاثف الشائعات حول الحالة الصحية للملك محمد السادس كضباب شتوي كثيف على المحيط الأطلسي، بات غياب العاهل المغربي يرسم فراغاً مؤسسياً عميقاً لم تعد البيانات الرسمية قادرة على سده.

هل يمكن حقاً إدارة مملكة من خلال الغياب؟

لم يعد السؤال طبياً فحسب، بل أضحى سياسياً بامتياز. فحين يختفي من المشهد العام ملك يمثل حجر الزاوية في البناء الدستوري بأكمله، يتزعزع توازن الأمة ذاتها. والشعب الذي تشكل علاقته بالعرش أساس وحدته، يجد نفسه معلقاً بين بيانات مقتضبة أو، والأسوأ من ذلك، صمت يفسح المجال أمام أحلك التكهنات.

لقد نُقشت في الذاكرة صورة باردة وبليغة في آن واحد: منصة تتويج بطل كأس الأمم الأفريقية، ذلك المسرح المجيد الذي كان من المفترض أن يتألق فيه هيبة المملكة، تحول إلى مشهد لفراغ تاريخي غير مسبوق. البروتوكول الذي يُضبط عادة بدقة متناهية، اضطر للانحناء أمام واقع لم يعد بالإمكان إخفاؤه.

لكن الأكثر إثارة للقلق من غياب العاهل نفسه، هو تغيب سلالته المباشرة، وهو ما يثير التساؤلات الأكثر إلحاحاً. ففي ملكية يسود فيها الرمز، فإن عدم حضور ولي العهد لتجسيد استمرارية العرش في ميدان هذا الانتصار القاري يمثل إشارة ذات خطورة استثنائية. كان على الأمير مولاي رشيد، شقيق الملك، أن يتقدم لتسليم الكأس. إنه إجراء بديل لم يطمئن أحداً، بل كشف حقيقة مقلقة: هل وصل قلب السلطة إلى درجة من الجمود بحيث لم يكن بالإمكان حتى تنظيم انتقال رمزي نحو شباب ولي العهد؟

لا بد من الإشارة هنا إلى استراتيجية تواصل تبدو وكأنها من قرن مضى.

ففي عصر اللحظية والتواصل الفوري، لا يؤدي الغياب الطويل لمحمد السادس إلا إلى تغذية قلق المستثمرين وتوتر الشركاء الدوليين وقلق شعب يحتاج إلى رؤية قائده. هذا الاستبدال خلال حفل كأس الأمم الأفريقية ليس مجرد تعديل في الأجندة، بل اعتراف بعائق كبير. لماذا مولاي رشيد وليس الوريث؟ أي طارئ يبقي السلالة المباشرة بعيدة عن هتافات شعبها؟

لا يستطيع المغرب في عام ألفين وستة وعشرين أن يسير على غير هدى.

فبين التحديات الجيوسياسية الإقليمية والضرورات الاقتصادية، يعتمد الاستقرار على الحضور الفعلي للسلطة. هذا الغموض المتزايد حول الشخصية الملكية لم يعد مجرد حياء بروتوكولي، بل أصبح خطراً استراتيجياً.

إلى متى سيتمكن القصر من الحفاظ على هذا الستار الحديدي حول الوضع الحقيقي للعاهل؟ يعلمنا التاريخ أن الفراغ ينتهي دائماً بأن يُملأ، ونادراً ما يكون ذلك بالطمأنينة. لقد حان الوقت لأن يخلف الوضوح الظلال، فوراء مصير رجل واحد، يتقرر مصير مملكة بأكملها.

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *