
مونديال 2030، والتحول السياسي، والتطبيع: الوهم المغربي الكبير
بقلم الحسين بنلعايل نائب رئیس دبلمَتكنيوز و نائب الرئيس لا للظلم بأوروبا
في الوقت الذي تواصل فيه البروباغندا الرسمية الترويج لموعد عام 2030 باعتباره طوق النجاة الأوحد للأمة، تتكتب الواقع اليومي للمواطن المغربي في تفاصيل التهميش والفقر وتدهور الخدمات العامة. وبين الاندفاع المفرط لنشر الإسمنت والخرسانة الرياضية والتدهور الممنهج للقطاعات الاجتماعية الأساسية، تتسع الفجوة بين الخطاب السلطوي والواقع الشارع.
تتجلى حالة العزلة والعبث في توزيع الميزانيات؛ إذ إن رصد أكثر من 14.5 مليار درهم لتشييد وتجديد الملاعب الكبرى يُعد تعبيراً عن عمى سياسي كامل. كيف يُستسهل إهدار مئات الملايين من الدراهم في مشاريع فرعية — من قبيل مئات الملايين التي رُصدت للموقف السفلاني لملعب الأمير مولاي عبد الله — بينما تخنق أقسام المستعجلات، وتضع الأمهات أطفالهن عند عتبات المستشفيات، وتنهار المدرسة العمومية أمام مستقبل الشباب؟
العقلانية الأوروبية في مواجهة الهروب المغربي إلى الأمام
بينما أبدت مدينة مالقا الإسبانية حساً عالياً بالمسؤولية المالية والسياسية بالانسحاب رسمياً من قائمة المدن المستضيفة لمونديال 2030 رفضا لتكاليف باهظة دون عائد اجتماعي حقيقي لمواطنيها، يندفع المغرب نحو المغامرة ذاتها بلا حسابات عقلانية. وفي الوقت الذي يرفض فيه المسؤولون الأوروبيون إنشاء « الفيلة البيضاء » والمشاريع غير النافعة، يضحي صاحب القرار بالاحتياجات الحيوية للشعب على مذبح الاستعراض الدولي:
- منظومة صحية متهالكة: يترك الانهيار في القطاع الصحي العام ملايين المواطنين في مواجهة مصيرهم، بينما تغادر النخب السياسية والمالية للعلاج في المستشفيات الأوروبية عند أول عارض صحي، في إدانة صارخة للمؤسسات التي يديرونها.
- شباب بلا آفاق: في ظل تدني جودة التعليم وارتفاع معدلات البطالة، يتابع الشباب حسرة استنزاف المال العام في الملاعب، دون توفير فرص عمل أو آفاق كرامة.
- تهديد نزع الملكية: تحت ستار التهيئة العمرانية السريعة الخاصة بمونديال 2030، تشتد الضغوط على العقارات وتزداد التخوفات من التجريد القسري للملكيات والتهجير دون تعويضات عادلة.
حكم « البام »: تكريس الريع وزواج المال بالسلطة
جاء تعيين فاطمة الزهراء المنصوري — إحدى الشخصيات المحورية في حزب الأصالة والمعاصرة (PAM) — على رأس الحكومة ليتوج التلاحم بين النفوذ السياسي، ورجال الأعمال، ومراكز القرار. ويتزامن هذا المسار مع تشكيك شعبي متزايد وشبهات خروقات وشراء أصوات أثرت على شرعية العملية الانتخابية.
لم تثمر الخيارات الاقتصادية المتبعة إلا صيانة المصالح الضيقة؛ وتظل قضية الدعم المالي المخصص لاستيراد الماشية شواهد بليغة على ذلك. فقد ذهبت مليارات الدراهم التي صُرفت من المال العام تحت ذريعة الجفاف مباشرة إلى جيوب كبار المستوردين ورجال الأعمال، دون أن يلمس المواطن أي أثر إيجابي على الأسعار في الأسواق، وصولاً إلى إلغاء شعيرة أضحية العيد. وهكذا يُطالب الشعب بالتقشف بينما تتضاعف أرباح الطبقة النافذة.
التطبيع، السلاح، والتنازل عن السيادة
تتجه التوقعات خلال المرحلة المقبلة نحو تسريع وتيرة الاندماج الاستراتيجي والأمني مع إسرائيل عبر خطوات متسارعة تتجاهل الغضب الشعبي الرافض للإبادة الجماعية في غزة.
ويثير هذا المسار مخاوف جادة حول السيادة الوطنية:
- التسهيلات الأمنية وحيازة السلاح: تسريب وتمرير تشريعات تتيح تساهلاً في حيازة وحمل السلاح بداعي حماية المصالح والشخصيات الأجنبية يفتح الباب أمام اختراقات أمنية غير مسبوقة. إن السماح لجهات مرتبطة بمنظومات أمنية أجنبية بالتحرك المسلح على الأراضي الوطنية يهدد بإنشاء شبه ميليشيات ويحظر استقلالية القرار الأمني الداخلي.
- السيطرة على العقار والاقتصاد: فتح الباب أمام استثمارات شبكات نافذة للاستحواذ على العقارات والمرافق الاقتصادية يستنزف الأراضي الوطنية ويمنح الامتيازات القانونية والمالية للشركات المتعددة الجنسيات على حساب المواطن المحلي.
- مطالبات بالملكية ونزع الأراضي: تحت ذرائع مطالب عقارية تاريخية أو دعاوى إعادة الاستحقاق، يُفتح المجال لنزع ملكيات واسعة لصالح ممتلكين جدد يتمتعون بحماية الاتفاقيات، على حساب الساكنة الأصيلة.
- قمع الأصوات المعارضة: تواجه الأصوات الرافضة للتطبيع أو المنتقدة لميزانيات المونديال ضغوطاً أمنية وإعلامية متزايدة، وتُصنَف كل قراءة نقذية في خانة استهداف « المصالح العليا ».
لن تتمكن أي تظاهرة كروية مؤقتة من تغطية هذه الحصيلة. إن تركيز الإنفاق العام على الخرسانة المسلحة، وتمرير امتيازات خطيرة تصل إلى حمل السلاح على أرض الوطن، والتفريط في المقومات الاقتصادية للبلاد، يضع الدولة أمام أزمة اجتماعية وسياسية عميقة. وحين ينتهي مونديال 2030، لن يتبقى سوى ملاعب فارغة وشعب يواجه تبعات الديون وفقدان السيطرة على مقدراته.