توجد قاعدة أساسية راسخة في علم البلاغة والفكر هدمها مشهد هذه المنصة بالكامل: « ما يُتَصَوَّر جيداً يُلفظ بوضوح ». فحين تكون الرؤية منظمة، ومستوعبة، ومفهومة بعمق، ينساب الكلام بطبيعة الحال، وينقاد الجهاز الصوتي دون عوائق، ويفرض اللفظ نفسه بسلطة طبيعية. وعلى العكس من ذلك، فإن ارتباك الأفكار يولد حتماً انهيار الكلمات. وإذا عجزت فاطمة الزهراء المنصوري عن نطق نصها بوضوح، فببساطة شديدة لأنها لم تتصوره، ولم تستوعبه، ولم تعشه قط.
مهزلة السقوط المؤسساتي: حين يفضح اللاوعي لفاطمة الزهراء المنصوري خطاب الواجهة
بقلم الحسين بنلعايل نائب رئیس دبلمَتكنيوز و نائب الرئيس لا للظلم بأوروبا
ستظل هذه السقوطات العابرة راسخة كواحدة من أكثر المحطات مخزية في تاريخ العمل المؤسساتي والسياسي. فخلال جلسة تقديم البرنامج الحكومي أمام البرلمان، أسفر الأداء الذي قدمته فاطمة الزهراء المنصوري على المنصة عن كارثة كاملة. فبعيداً عن كون الأمر مجرد حادث عابر أو توتر ظرفي، تحولت القراءة المتعثرة لهذا النص إلى سلسلة متواصلة من الأخطاء النحوية الفادحة، والتلعثم المرتبك، والتردد المثير للشفقة، والانحرافات في نبرة الخطاب.هذا الفشل الشكلي لا يختزل في مجرد زلة لسان. ففي علم النفس المعرفي والسلوكي، تشكل العجز المتكرر عن نطق مصطلحات محددة مؤشراً قاطعاً لا يقبل الجدل: حين يعصى الكلف اللفظي على فاطمة الزهراء المنصوري ويستعصي في الحلق لدرجة المضغ اللفظي، والتكرار، ثم التخلي النهائي، فذلك لأن بنيتها النفسية وعقلها الباطن يرفضان رفضاً قاطعاً المضمون الذي تُجبر على التلفظ به.ويكشف تفكيك مداخلتها عن الهوة الساحقة التي تفصل بين القشرة المؤسساتية وواقعها النفسي والسياسي الحقيقي.
1. تعثر فاطمة الزهراء المنصوري أمام « الإثراء غير المشروع »: خيانة العقل الباطن
تجلى ذروة هذا الانهيار النصي لحظة قراءة الفقرة المتعلقة بمحاربة الفساد وتخليق الحياة العامة.
تجلى ذروة هذا الانهيار النصي لحظة قراءة الفقرة المتعلقة بمحاربة الفساد وتخليق الحياة العامة.
- الوقائع: عجزت فاطمة الزهراء المنصوري عن صياغة مصطلحات تجريم الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح بشكل سليم، فأعادت المحاولة ثلاث مرات، ومضغت لفظ « الإثراء » صوتياً، قبل أن تتخلى تماماً عن المحاولة في منتصف الطريق، محاولةً طمس حرجها بخروج شعبوي ارتجالي عن « نضالها ».
- التحليل النفسي: يعكس هذا الانسداد الصوتي والعجز الحركي عن نطق الإثراء غير المشروع تناقضاً معرفياً مطلقاً لديها. فجسدها وعقلها الباطن يثوران ضد ما يهدد مصالح طبقتها وامتيازاتها المادية بشكل مباشر. ولسانها يتعثر ويرفض المضي قدماً لأنها تعلم يقيناً، في قرارة نفسها، أن هذا الوعد مجرد كذب وافتراء. وما لا تستطيع النطق به، لن تنفذه أبداً. فالنظام لا يدمر نفسه بنفسه.
2. رفض الأوراق الإدارية ورهاب الرقابة
طوال خطبتها، فضحت التحولات في النبرة والعودة المفاجئة إلى اللهجة العامية استياءها العميق من الالتزامات الاجتماعية والإدارية المكتوبة في الوثيقة.
الوقائع: على هامش تعداد المساعدات المباشرة والطلبات الإدارية، انحرفت قراءتها بالتكرار الهوسي والآلي لكلمة « ورق » (« دون ورق دون ورق دون طلب ورقي… »)، متخبطة في تلعثمها، إلى أن بلغ استيائها ذروته في منتصف مدونة التعمير لتطلق، خارج الميكروفون وخارج النص، أمراً مباشراً وممتعضاً موجهاً للقمة: « اني نكمل خدمتي طب ».التحليل النفسي: يؤكد هذا التسلل للغة الشارع والأمر السلطوي في صميم خطاب رسمي تعصبها المطلق ضد القيود الببيروقراطية وضد المواطن صاحب الحق. فالنص بالنسبة لها مجرد عبء بغيض، وطقس مم ملزم دستورياً. ويكشف عقلها الباطن هنا عن احتقار عميق لثقل الإجراءات الديمقراطية والرقابة الشعبية.
3. الانهيار النحوي للسيادة الاقتصادية والترابية
في مناسبات عديدة، تفككت طلاقة اللغة الرسمية حرفياً تحت وطأة قصورها الخاص في الملفات السيادية، مما فاضحاً غياب الألفة التامة مع الملفات.الوقائع: من تقديراتها التقريبية لنسب الدين والناتج الداخلي الإجمالي — تلتها مباشرة حالة فوضى لفظية همست بها على الهواء مباشرة (« ارتكبت خطا على شي حد يقوللك راتخابات عاودتاني » لدرء النقد) — وصولاً إلى سقطاتها الصوتية على مستوى التحول الرقمي، والسيادة الطاقية، والتهيئة الترابية (« مج مجله الترابي »)، انفرط عقد خطامها تماماً.التحليل النفسي: يعكس خوفها الفز من النقد العام ورد فعلها التبريري الفوري عقده شرعية بنيوية. حين تخشى سانحة نظرة الآخرين إلى الحد الذي تدفعها للاعتذار أو تهديد الجمهور علناً على أخطائها، فإن ذلك يدل على غياب تام لاستيعاب الوظيفة. البدلة أكبر من حجمها، والفكر غائب، ولم يبق سوى رعب التلبس بجرم الجهل والقصور.
4. تبديد الرمزية: حين تتجسد المسؤولية في هذا المستوى من العجز
يجب التحلي بالشجاعة الكافية لقول الأشياء بوضوح ودون مواربة: إن هذه الفضيحة الكبرى تحمل ملامح امرأة، وهذا أمر يبعث على الأسى العميق. ففي مشهد سياسي يفترض فيه أن يشكل وصول النساء إلى أسمى المناصب التنفيذية سابقة تاريخية — وراية مطلقة للصرامة، والكفاءة، والجدية، والقطيعة مع الارتجالية السائدة — فإن تقديم مثل هذا الاستعراض من اللامبالاة والخفة يسيء إلى الوظيفة العمومية برمتها. كان رجل ليستحق نفس التقريع على هكذا غرق، لكن رؤية مسؤولة تدوس الأمانة الموكلة إليها تترك طعماً مراً. كان ينبغي للأمانة والتميز أن يتصدرا المشهد؛ فإذا بهما يفسحان المجال لخيبة الأمل إزاء ما يشبه ترقية غير مستحقة.
الخلاصة القاطعة
يتجاوز هذا السقوط الخطابي والسلوكي الإطار الضيق للملاحظة اللغوية. فحين يستعصي اللفظ، ويُرفض النص من الجهاز الصوتي، وتختزل القراءة في تهجئة بدائية تُمارس باستهتار، تكون القاضية قد حُسمت.لم يحضر المواطن للدفاع عن رؤية مستقبلية تقودها فاطمة الزهراء المنصوري، بل حضر محاكاة بيروقراطية تتمرغ فيها بين أوحال احتقار المؤسسات. وأمام هذا الإفلاس الفكري والنفسي، يفرض الاستنتاج نفسه بقوة مطلقة: إذا كان الاضطلاع بكلمة الدولة، والتمكن من أدوات التعبير، وتجسيد المسؤولية العمومية يمثلان عبئاً شاقاً ورفضاً لاواحياً مستمراً، فحريّ بها عاجلاً غير آجل أن تغير مهنتها.