20 octobre 2026

مملكة الواجهات: عندما تلاحق السلطة الفتات وتحمي الولائم

بقلم الحسين بنلعايل نائب رئیس دبلمَتكنيوز و نائب الرئيس لا للظلم بأوروبا

​

مقدمة

مرّ الإعلان شبه خافت وسط تذبذب الحقائب الوزارية: إنشاء « جهاز مركزي » داخل الخزينة العامة للمملكة لتسيير الفتات والأموال والممتلكات المصادرة. تروج الحكومة لشعار الصرامة والنجاعة، وهي تلك « النجاعة العمومية » التي ترفعها كراية سلطة مغرمة بالخطاب التقنوقراطي الأجوف. لكن خلف بريق هذه الهندسة الإدارية، تتخفى واقعة سحيقة: عدالة طبقية تصقل الأقفال بينما تبقى خزائن المحظيين محصنة بملء الأختام.​

أين توارت الأسس الأخلاقية للحكم؟ يعاني المسؤولون من زهايمر مؤسساتي انتقائي، ناسين بصلف ذلك التحذير النبوي الشامل: «إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد».

الدمى والخيول الهاربة: حين تُصنع الحكومات في الكواليس

بينما تنشغل الآلة الإعلامية الرسمية بتسويق مسرحية التناوب والحكومة الجديدة، تتكشف تدريجياً خيوط الهندسة السياسية التي أفرزت هذا المشهد. فكيف يُعقل أن يُمنح فوزي لقجع -الذي تقاطع في كواليس الأزمات الكبرى بينما كانت زلازل ملفات ثقيلة كـ »إسكوبار الصحراء » تهز محيط حزبه (البام)- منصباً مفصلاً على المقاس لإدارة مفاصل المال والتحكم؟ لقد أدى دوره بدقة مرسومة كـ »أرنب سباق » أو محرك دفع، غاضاً الطرف عن التجاوزات والشكوك الانتخابية، ليمهد الطريق بسلاسة نحو واجهة مجهزة ومحضرة مسبقاً في الغرف المغلقة منذ سنوات لفاطمة الزهراء المنصوري. فهذا الأخير لم يكن قط عنصراً قابلاً للاستهلاك أو التضحية، بل مُنح حقيبة وزارية مصممة خصيصاً له لترسيخ نفوذه، مما يكشف عن إعادة توزيع دقيقة ومحسومة للأدوار تضمن حماية منظومة الريع من أي هزة حقيقية.​آلة حرب… لصيد الأسماك الصغيرة​أي جدوى تترجى حقاً من هذا القسم الجديد الذي يُدار تحت إمرة فوزي لقجع؟ إنه مخصص لفهرسة وتقییم وإحصاء ممتلكات تُحجز غالباً على خلفية جنح بسيطة، أو تسويات ضئيلة، أو إدانات هامشية. تضاعف الإدارة المصالح الإحصائية، وتنشئ قواعد بيانات فائقة التطور، وتهتم برقمنة التتبع.​لكن دعونا نطرح السؤال المقلق: أي أموال وأي ممتلكات؟​بينما تجند الدولة أجهزتها لمراقبة فتات القطاع غير المنظم أو بقايا القضايا المحلية، تستمر الرأسمالية الاحتكارّية المعتمة، وتضارب المصالح البنيوي، والثراء الفاحش لقمة الهرم السياسي والاقتصادي في الازدهار بلا حسيب ولا رقيب. يحضر المواطن مذهولاً عرضاً مسرحياً تتخبط فيه السلطات بين الإجراءات لتتفادى الخوض في جوهر الأزمة.​محنة ا

الأستاذ زيان: ثمن الحقيقة

​ولمن يراوده الشك في طبيعة هذه العدالة الصارمة وذات المعيارين، يكفي أن يتأمل ما تفعله السلطة بمن تجرؤوا على كسر جدار الصمت. إن الحالة المأساوية للأستاذ محمد زيان تجسد وحدها جوهر النزعة الاستبدادية: رجل قانون محطم، مُعتقل رغماً عن تقدمه في السن وانهيار صحته الممنهج، فقط لأنه تجرأ على تسمية الأشياء بمسمياتها وفضح الفساد البنيوي لمن بيده مقاليد السلطة. إن التنكيل القضائي والتصفية البطئية في السجن تجعلان منه الرمز الحي لنظام يفضل تصفية الأصوات الحرة على تنظيف إسطبلاته. وحين يُعاقب الاعتراض وحرية الكلمة بالاستنزاف السجني بينما يعربد لصوص الياقات البيضاء، فإن وعد دولة الحق والقانون يموت تدريجياً.

​

نفاق الوعود النزيهة

تعد التنفيذية بالكثير وتمني المنى: محاربة الإثراء غير المشروع، التأطير الصارم لتضارب المصالح، تخليق الحياة العامة. شعارات تُردد مع كل تعديل حكومي، من فاطمة الزهراء المنصوري إلى وجوه الأغلبية البارزة، وكأنها تعويذات لتخدير الغضب الاجتماعي.​ومع ذلك، فالواقع العيني عنيد. حين تُبنى الثروات الطائلة في ظل المسؤوليات العامة والريع المؤسساتي، تلوذ المؤسسات بصمت متواطئ. فكوابح الأمان لا تتحرك أبداً لمن يمسكون بمفاتيح الحكم. لم يعد إفلات الأقوياء من العقاب خللاً عارضاً في النظام: بل أصبح هو نظام تشغيله.

خاتمة: السقوط المعلن لنموذج أصم عن العدالة

​باسم الحكم للواجهات، وزجّ الأصوات الحرة في غياهب السجون، ومعاملة المواطن كخامُس مرتهن، تحفر الدولة بيديها خندق لشرعيتها المتآكلة. لا يمكن لبلد أن يدعي الإقلاع الاقتصادي والتطور الديمقراطي وهو يحافظ على عدالة بمكيالين — صارمة مع المعارضين والبسطاء، متسامحة مع المحظيين.​لن يكون إحداث هذا الجهاز لمراقبة الأصول سوى ديكور تجميلي إضافي ما دام لا يجرؤ على مقاربة معاقل النهب الحقيقية. العد التنازلي بدأ، والتاريخ يعلمنا أن الأنظمة التي تخنق الحقيقة وتتناسى الإنصاف تنتهي حتماً إلى الانهيار تحت ثقل كبريائها المزعوم.​

حذارِ:خيوط اللعبة مكشوفة وأدوار الكواليس محسوبة بدقة؛

فإلى متى ستستمر المملكة في التشريع للفقر بينما تشرّع البذخ للنخب وتكمم أفواه من تجرؤوا على كشف أسرار كواليسها؟

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *