15 septembre 2026

الكعبة ليست صندوق اقتراع ..حين ارتدت الإنتخابات عباءة الدعاء

بقلم الحسين بنلعايل نائب رئیس دبلمَتكنيوز و نائب الرئيس لا للظلم بأوروبا

https://www.instagram.com/reel/DdRzcWWvGUi/?stkn=MXE1cmRwcG5hYjd0YQ==

الحسين بنلعايل – ديبلوماتيك نيوز

ماذا لو تحولت الكعبة المشرفة إلى خلفية لصورة انتخابية؟ وماذا لو أصبح الدعاء في أطهر بقاع الأرض وسيلةً للترويج لاسم سياسي بعينه؟ وماذا لو خرج رجل دين من رحاب المسجد الحرام ليطلب، أمام الكاميرا، «النصر في الانتخابات» لشخص محدد؟

هل سنظل نسمي ذلك دعاءً فقط؟

أم أن الحقيقة التي يخشى البعض تسميتها هي أن السياسة وجدت طريقها إلى المكان الذي يفترض أن تكون فيه السياسة آخر ما يُستحضر؟

القضية هنا ليست فوزي لقجع، ولا هي معركة شخصية مع نور الدين الطويل، ولا اعتراض على الدعاء لهذا أو ذاك. القضية أخطر وأعمق: هل يجوز تحويل المقدس إلى منصة رمزية لخدمة السياسيين؟

المقطع المتداول، وفق ما يظهر في مضمونه، يقدم مشهدًا لا يحتاج إلى كثير من الشرح. رجل يؤدي العمرة، والكاميرا مفتوحة، ثم يأتي الدعاء باسم سياسي مغربي، مقرونًا بعبارة صريحة لا تحتمل كثيرًا من التأويل: «اللهم يسر أمر أخي فوزي لقجع النصر في هذه الانتخابات».

النصر في الانتخابات!

ليس «اللهم اهده»، وليس «اللهم أصلحه»، وليس «اللهم وفقه لما فيه الخير»، وإنما النصر في الانتخابات.

هنا بالضبط تسقط كل محاولات الهروب إلى الأمام بعبارة «مجرد دعاء».

لا أحد يعترض على الدعاء.

لكن السؤال: لماذا الكاميرا؟

لماذا النشر؟

لماذا ذكر الانتخابات؟

ولماذا الحرم المكي تحديدًا؟

فالذي يحدث في السر بين الإنسان وربه شأن آخر، أما أن يتحول الدعاء إلى مشهد مصور يصل إلى الجمهور، وأن يتضمن اسم مرشح أو سياسي ودعاءً صريحًا بفوزه الانتخابي، فهنا يصبح من حق الرأي العام أن يطرح أسئلته بلا خوف من تهمة «معاداة الدين» أو «استهداف الأشخاص».

بل العكس تمامًا.

إن انتقاد توظيف الدين في السياسة هو في جوهره دفاع عن الدين من السياسة.

لأن أخطر ما يمكن أن يحدث للمقدس ليس أن يُهاجَم، وإنما أن يُستعمل.

أن يتحول إلى غطاء.

أن يصبح خلفية.

أن يُستدعى عندما تحتاج السياسة إلى جرعة من القداسة.

وهنا تكمن المفارقة الصادمة: الانتخابات، بطبيعتها، تقوم على التنافس والاختلاف والاختيار الشعبي، بينما الحرم المكي يقوم على العبادة والخشوع والتجرد من الحسابات الدنيوية. فكيف اجتمع الاثنان في مشهد واحد؟

وكيف يمكن لشخص أن يقف في رحاب البيت الحرام ثم يجعل جزءًا من دعائه متعلقًا بنتيجة انتخابية لشخص محدد؟

هل أصبحت صناديق الاقتراع بحاجة إلى الدعاء من داخل الحرم؟

هل أصبح المرشح يحتاج إلى الكعبة كي يكتسب دعمه الانتخابي هالة إضافية؟

وهل يجوز أصلًا أن تتحول العبادة إلى محتوى سياسي قابل للتداول والمشاركة والتوظيف على مواقع التواصل الاجتماعي؟

هذه ليست أسئلة عدائية.

هذه أسئلة صحفية.

وأسئلة أخلاقية.

وأسئلة تفرض نفسها على كل من يؤمن بأن للمقدسات حرمة ينبغي ألا تُستغل لخدمة أي حزب أو مرشح أو تيار.

والأمر يصبح أكثر حساسية عندما يتعلق الأمر بشخص يُقدَّم باعتباره إمامًا وخطيبًا وفاعلًا في المجال الديني. فالمجتمع ينتظر من رجل الدين أن يكون أكثر الناس حذرًا في الفصل بين المقدس والسياسي، لا أن يقدم نموذجًا يمكن أن يفتح الباب أمام خلطهما.

لأن رجل الدين عندما يتحدث في الشأن السياسي لا يتحدث دائمًا بصفته مواطنًا عاديًا في نظر جمهوره؛ بل قد تُفهم كلماته باعتبارها تحمل وزنًا دينيًا وأخلاقيًا إضافيًا.

وهنا الخطر.

فإذا قلت للناس: «انتخبوا فلانًا»، فأنت تمارس سياسة.

أما إذا ارتبطت الدعوة إلى فوز فلان بمشهد من داخل الحرم المكي، فقد يتلقى بعض الناس الرسالة باعتبارها أكثر من مجرد موقف سياسي.

وقد تتحول الرسالة من «أنا أؤيد هذا السياسي» إلى «هذا السياسي يحظى بدعاء رجل دين من أطهر بقاع الأرض».

وهذا هو بالضبط النوع من الخلط الذي يجب أن نكون شديدي الحذر منه.

المملكة العربية السعودية نفسها شددت عبر خطابها الرسمي على أن الحج ينبغي أن يبقى بعيدًا عن الخلافات والشعارات السياسية والمذهبية، باعتبار أن الحج يجمع المسلمين على العبادة وليس على الصراع السياسي.

فإذا كان هذا هو المبدأ الذي يحكم تنظيم المشاعر المقدسة، فإن استحضار الانتخابات في مشهد مصور داخل الحرم يظل، على أقل تقدير، تصرفًا شديد الحساسية ويستحق النقد والنقاش العام.

ولنكن أكثر وضوحًا:

نحن لسنا ضد فوزي لقجع.

ولا يهمنا إن كان مؤيدوه يريدونه في منصب أكبر.

ولا يعنينا أن يفوز أو يخسر إلا بقدر ما تعنينا العملية الديمقراطية نفسها.

ونحن لسنا ضد أن يدعو شخص لشخص.

لكننا ضد أن يصبح الدين أداةً لتجميل السياسة.

وضد أن تصبح الكعبة ديكورًا بصريًا لمشهد انتخابي.

وضد أن تتحول لحظة روحانية إلى رسالة سياسية مصورة.

وضد أن يتم استدعاء القداسة لإضفاء هالة معنوية على سياسي في خضم انتخابات.

فمن يريد دعم فوزي لقجع، فليدعمه في السياسة.

فليتحدث عن حصيلته.

فليدافع عن اختياراته.

فليعرض برنامجه.

فليخاطب الناخبين.

فليذهب إلى صناديق الاقتراع.

أما الكعبة، فاتركوها خارج المعركة.

الكعبة ليست صندوق اقتراع.

والحرم ليس منصة انتخابية.

والدعاء ليس منشورًا دعائيًا.

ورجل الدين ليس وكيلًا انتخابيًا.

والسياسة، مهما كان أصحابها، أصغر من أن تستعير قداسة المكان لتقوية صورتها أمام الناس.

ثم هناك سؤال آخر أكثر إزعاجًا:

ماذا لو فعل أنصار كل الأحزاب الشيء نفسه؟

ماذا لو بدأ كل سياسي يرسل أنصاره إلى الحرم لتصوير دعاء انتخابي باسمه؟

ماذا لو أصبح كل مرشح يملك فيديو من مكة يقول فيه أحدهم: «اللهم انصره في الانتخابات»؟

هل سنظل نبتسم ونقول: «إنه مجرد دعاء»؟

أم سنكتشف فجأة أن الحرم بدأ يتحول إلى مساحة للتنافس السياسي؟

المشكلة أن التطبيع مع هذه الممارسات يبدأ دائمًا بخطوة صغيرة.

اليوم دعاء.

غدًا شعار.

بعد غد خطاب.

ثم صورة.

ثم حملة.

ثم يصبح المقدس جزءًا من ماكينة السياسة.

وهنا يجب أن تكون الصحافة يقظة قبل أن يصبح الأمر عاديًا.

فالصحافة ليست وظيفتها التصفيق، ولا حماية السياسيين، ولا حماية رجال الدين من الأسئلة المحرجة.

وظيفتها أن تسأل.

أن تضع الإصبع على موضع الألم.

أن تقول: هذا غير طبيعي ويستحق النقاش.

ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحًا أمام الرأي العام ليس: هل تحبون فوزي لقجع أم تكرهونه؟

هذا سؤال تافه.

السؤال الحقيقي هو:

هل نقبل أن يدخل السياسي إلى الحرم من بوابة الانتخابات؟

هل نقبل أن يُستخدم الدعاء، المصوَّر والمنشور، كرسالة انتخابية؟

هل نقبل أن يصبح المكان المقدس جزءًا من صناعة الصورة السياسية؟

وهل يجوز لرجل دين، أيًا كانت مكانته، أن يضع نفسه في هذا الموقع الحساس؟

ربما يرى البعض أن الأمر عادي.

وربما يرى آخرون أنه مجرد دعاء حسن النية.

لكن الصحافة لا تحاكم النوايا، وإنما تناقش الأفعال الظاهرة وتأثيرها العام.

والفعل الظاهر هنا واضح: اسم سياسي، انتخابات، دعاء بالنصر، كاميرا، حرم مكي، وجمهور ينتظر ما سيقال.

هذه العناصر مجتمعة تستحق أكثر من ابتسامة عابرة.

تستحق سؤالًا كبيرًا.

بل تستحق وقفة.

لأن المقدس عندما يدخل سوق السياسة، لا تخرج السياسة وحدها منه.

إنها تأخذ معها شيئًا من هيبة المقدس.

ولهذا، فإن الرسالة التي يجب أن تُقال بلا تردد هي:

اتركوا الكعبة لله، واتركوا الانتخابات للناخبين.

أما من أراد أن ينتصر في الانتخابات، فليبحث عن النصر في صناديق الاقتراع، لا في قدسية المكان.

ومن أراد أن يدعو، فليدعُ.

لكن لا تجعلوا من الدعاء حملة انتخابية، ولا من الحرم منصة سياسية، ولا من الدين غطاءً لسياسة الأشخاص.

فالأسماء تتغير، والوزراء يرحلون، والانتخابات تنتهي، والأحزاب تتبدل…

أما بيت الله الحرام، فليس ملكًا لأي حزب، ولا لأي سياسي، ولا لأي رجل دين.

ولهذا تحديدًا، فإن الدفاع عن حرمته من التوظيف السياسي ليس عداءً لأحد.

بل احترامٌ للمكان.

واحترامٌ للدين.

واحترامٌ لعقول الناس.

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *