26 octobre 2026

السيسي في مواجهة حرب اليمن: الدفاع عن السعودية أم المخاطرة بمواجهة مباشرة مع أنصار الله؟

​. ​افتتاحية أسية حسيني — مقال أعيدت صياغته وإثراؤه تحت إشراف السيد علي البقالي الطاهري، رئيس التحرير.​

إن مسعى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي للحصول على إذن من البرلمان لدعم عسكري محتمل للمملكة العربية السعودية يعيد تسليط الضوء على دور القاهرة الملتبس في المستنقع اليمني. وتحت القشرة المخادعة لمسمى «المهمة الدفاعية»، تطرح هذه الخطوة سؤالاً جوهرياً ووجودياً:

ألا ينذر مثل هذا الانخراط بجرّ مصر إلى مواجهة مباشرة وخاسرة حتماً مع حركة «أنصار الله»؟

​يسعى السيسي إلى احتكار صلاحيات مطلقة لإقحام القوات المسلحة تحت إمرة الرياض. وبموجب الدستور المصري، فإن إرسال قوات في مهمة قتالية إلى الخارج يتطلب استطلاع رأي مجلس الدفاع الوطني وموافقة ثلثي أعضاء البرلمان. غير أن وصف هذه الحملة بـ «المهمة الدفاعية» ليس سوى تزييف سياسي مفضوح؛ فهل يُعترض على الجنود المصريين الاكتفاء باعتراض الصواريخ والطائرات المسيرة، أم أنهم سيجدون أنفسهم في خطوط الدفاع عن المنشآت الحيوية والحدود السعودية بأرواحهم؟

وماهو هامش المناورة المتبقي لهم حال اندلاع المواجهة الشاملة؟

​إن تأجيل جلسات البرلمان المقرر سلفاً يعكس حجم التصدعات والترددات التي تعتري دوائر القرار أمام مشروع بمثل هذه الخطورة. وفي حين تستعد الأغلبية البرلمانية المذعنة للسلطة التنفيذية لتمرير هذا الإملاء، تعالت أصوات العديد من المراقبين والأصوات السياسية الرافضة للأهداف الخفية والتكلفة الباهظة والخطورة العبثية لهذا الانخراط.​مساومة مالية من أجل حفنة من الدولارات​لفهم هذه المبادرة، ينبغي تجاوز البيانات الرسمية المعلنة؛ فهي ليست رؤية جيوستراتيجية ذات سيادة، بل صفقة مرتزقة بامتياز. فمقابل حفنة من الدولارات وتحت ضغط الرعاة الماليين في الخليج، يستعد النظام المصري للمتاجرة بدماء جنوده.​وتتجسد فداحة الظلم عندما نمعن النظر في الأولويات الجيوسياسية للقاهرة؛ ففي الوقت الذي تغمض فيه مصر عينها إجرامياً وتلوذ بصمت مخزٍ إزاء حرب الإبادة الجماعية الجارية في غزة — على حدودها الشرقية المباشرة — تبدو مستعدة بتهور لتحريك جيشها دفاعاً عن حقول النفط السعودية. إن أي سلطة تنحني أمام دائنيها بالخارج وتتجاهل المآسي الوجودية لأمتها تفقد بالضرورة كل شرعية أخلاقية.

المأزق العسكري وهمّ الانتصار على أنصار الله

على المستويين التكتيكي والعسكري، يبدو التورط ضد «أنصار الله» ضرباً من الجنون. وكيف للجيش المصري أن ينجح حيث فشلت القوى العظمى فشلاً ذريعاً؟

فالولايات المتحدة، بكل جبروتها التكنولوجي والعسكري الهائل، اضطرت مرغمة إلى رفع اليد في البحر الأحمر بعد أن أيقنت استحالة كسر شوكة حركة صلبة، متجذرة في شعبها، وتملك عقيدة مقاومة صلبة.​إن إرسال جنود مصريين شبان إلى اليمن هو إرسال لهم نحو حتف محتوم في مستنقع بلا نهاية. بل إن المحللين الأكثر تبصراً يستحضرون الإرث التاريخي الثقيل: فالتدخل العسكري المصري في اليمن خلال ستينيات القرن الماضي أسفر عن صدمة وطنية ومستنقع خرجت منه القاهرة مثخنة بالجراح. وإن محاولة تكرار هذا الخطأ التاريخي إرضاءً لرغبات الرياض تعكس عمىً سياسياً تاماً.​القطيعة التامة مع الشعب المصري: بين الجار الجريح وعبثية جبهة على بُعد ألفي كيلومتر​بعيداً عن المأزق العسكري والارتزاق المالي، يكشف هذا التهور عن شروة واسعة ومتفجرة بين النظام والشعب المصري. كيف للسلطة أن تبرر إرسال جنود ليموتوا في صراع على بعد أكثر من ألفي كيلومتر من الحدود، في خدمة الرياض، بينما تفرض السلطة نفسها صمتاً مجرماً حيال الإبادة التي تفتك بجيرانهم الأشقاء في غزة؟​إن الشارع المصري، المرتبط وجدانياً بالقضايا العادلة، لا يخطئ البوصلة؛ فالشعب المصري يحمل القضية الفلسطينية في قلبه ويكنّ إكباراً عميقاً لمقاومة «أنصار الله» في وجه التعنت الغربي والصهيوني. وإن الزج بالجيش المصري ضد من تعتبرهم الجماهير رموزاً للكرامة، مع غض الطرف عن محنة غزة على مرمى حجر من سيناء، يعد استفزازاً لا يغتفر.​تحذيرات أنصار الله وحقيقة السلطة الواقعة تحت الوصاية​في مواجهة هذه المحاولة للعدوان بالوكالة، رسمت القيادات اليمنية خطوطاً حمراء قاطعة. فبينما أكد محمد البخيتي وممثلو «أنصار الله» على عمق الروابط الأخوية والتاريخية التي تجمع الشعبين المصري واليمني، فقد حذروا بوضوح من أن أي دولة تقدم دعماً عسكرياً، مباشراً أو غير مباشر، للعدوان السعودي ستُعتبر طرفاً محارباً. وإن تصنيف التدخل تحت يافطة «الدفاع» لن ينطلي على صنعاء: فكل مشاركة إلى جانب التحالف ستُعامل كعمل عدائي سافر.​وإن أقدم البرلمان المصري على إقرار هذا المشروع تحت الإكراه، فسيؤكد ذلك نهائياً الطبيعة الاستبدادية لنظام يحافظ على بقائه عبر توازنات أمنية وراعين أجانب يسعون لإحكام الطوق على المنطقة.​باختفائه وراء التبعية العمياء للرياض ودون اعتبار لشعبه، لا يلقي النظام الحقيقي بظل الموت على جنوده فحسب، بل يرهن مستقبل الأمة، ويدوس على سيادتها، ليغوص عميقاً في مأزق أخلاقي وتاريخي لا مهرب منه.

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *