PAR RAJAA ETTOUBI
سنة سعيدة على طريقتي انا رجاء حين لا يبدأ التحوّل من الزمان
لم يعد مقبولًا الاستمرار في تعليق الإخفاقات الوطنية والاجتماعية على تغيّر الزمن، أو انتظار الأعوام الجديدة بوصفها حلولًا جاهزة لأزمات عميقة الجذور. فالتجربة، سياسيًا واجتماعيًا، تؤكد أن الزمن لا يُصلح ما لم يُصلحه الإنسان، وأن الأوطان لا تتقدّم بتبدّل التواريخ، بل بوعي مواطنيها، وبقدرتهم على تحمّل المسؤولية الفردية والجماعية. من هذا المنطلق، يصبح الحديث عن البدايات سؤالًا جادًا عن جوهر التغيير: أين يبدأ، ومن يتحمّل كلفته، وكيف يتحوّل من خطاب إلى ممارسة.
يشيع الاعتقاد بأن انتقال الإنسان من عام إلى آخر يحمل في ذاته إمكانية التحوّل، وكأن الزمن يمتلك قدرة ذاتية على تصحيح المسار. غير أن هذا التصوّر يغفل حقيقة أساسية: الزمن يتحرّك باستمرار، بينما يظلّ الوعي الإنساني قادرًا على الجمود. فالتحوّل لا يحدث لمجرّد تغيّر التقويم، بل حين يُعاد ترتيب مركز القرار في الداخل.
في الرؤية الصوفية، لا تُفهم البداية بوصفها لحظة زمنية، بل حالة إدراك. ولهذا لا يُقاس التقدّم بعدد الخطوات، بل بوضوح الوجهة. فالحركة التي لا يقودها قصد، لا تنتج فعلًا نافعًا، سواء على مستوى الفرد أو على مستوى الشأن العام. وقد يكثر الفعل ويغيب المعنى، فتتراكم الجهود دون أثر مستدام.
وتُعيد هذه الرؤية قراءة مفاهيم الخسارة والانكسار خارج منطق الضعف. فالحرمان لا يُعدّ نقيضًا للعطاء، بل أحد أشكاله غير المباشرة. إذ يكشف التفريغ مواضع التعلّق الخاطئ، ويُظهر ما كان يستهلك الطاقة دون أن يخدم الاتجاه. بهذا المعنى، لا يكون الفقد حادثة عابرة، بل أداة وعي وتربية، سواء على مستوى الفرد أو المجتمع.
ولا ينفصل هذا الفهم الروحي عن الواقع الوطني. فالأزمات التي تعيشها الأوطان ليست نتاج ظروف خارجية فحسب، بل انعكاس لاختلالات داخلية في منظومة القيم، وفي معنى المسؤولية، وفي العلاقة بين الفرد والمجال العام. حين يختلّ الداخل، ينعكس الخلل على الخطاب والسلوك، وتتحوّل القضايا الكبرى إلى سجالات، بدل أن تكون مشاريع عمل.
كما يقدّم التصوّف قراءة مختلفة لمسألة التأخير، سواء في تحقق الأهداف أو في جني النتائج. فالتأخير لا يُقرأ بوصفه فشلًا، بل بوصفه اختبارًا للاستعداد. فالعطاء – في هذا المنظور – لا يُقاس بحجم الرغبة، بل بسعة الاحتمال. وهذه القراءة تفرض منطقًا مسؤولًا في العمل العام: الصبر الاستراتيجي، والالتزام طويل النفس، بدل اللهاث خلف نتائج سريعة بلا أساس متين.
وتحتل العلاقة مع الذات موقعًا محوريًا في هذا السياق. فالقسوة المفرطة، سواء على النفس أو على المجتمع، لا تُنتج إصلاحًا، بل إنهاكًا. وفي المقابل، فإن الرحمة الواعية لا تعني التراخي، بل تعني فهم حدود الطاقة، وبناء الفعل على الاستمرارية لا على الاستنزاف. فالأوطان لا تُبنى بانفعالات موسمية، بل بعزيمة هادئة وثبات طويل.
وعند الحديث عن العام الجديد، يتراجع منطق الإنجاز العددي لصالح سؤال الاتجاه. فليست القيمة في كثرة ما يُنجز، بل في انسجام الفعل مع المقصد. قد يقلّ الفعل ويشتدّ أثره، وقد يكثر ويضيع معناه. الميزان الحقيقي هو وضوح البوصلة.
بهذا المعنى، لا يكون الرجوع تراجعًا، بل تصحيحًا للمسار. ولا تُفهم السكينة بوصفها انسحابًا من الشأن العام، بل اتزانًا يتيح مشاركة أكثر وعيًا ومسؤولية. فحين يستقرّ الداخل، يصبح الفعل الخارجي أكثر انضباطًا وأصدق أثرًا.
لا تبدأ البدايات الحقيقية من تغيّر السنوات، بل من لحظة إدراك جماعية: أن إصلاح الخارج يظلّ هشًّا ما لم يُدعَم بإصلاح الداخل، وأن بناء وطن متماسك يمرّ، بالضرورة، عبر إنسان أكثر وعيًا، وأصدق التزامًا، وأعمق اتصالًا بالقيم التي يعلن الدفاع عنها.
هنا فقط، يمكن الحديث عن تحوّل لا يخضع للزمن، بل يصنعه.
رجاء التوبي عاشقة للوطن
