
في مملكة الإنكار: عندما يُتوَّج «البام» على عرش الحكومة وسط عاصفة التزوير وتبييض الأموال
بقلم الحسين بنلعايل نائب رئیس دبلمَتكنيوز و نائب الرئيس لا للظلم بأوروبا
في
طنجة تحت الحراسة النظرية، والدار البيضاء تحت الصدمة، والرباط غارقة في الاحتفالات. في التاسع والعشرين من سبتمبر 2026، وعقب اقتراع شهد عزوفاً شعبياً غير مسبوق (نسبة مشاركة لم تتجاوز 38%، وهو الأدنى منذ عقود)، عين الملك محمد السادس فاطمة الزهراء المنصوري رئيسةً للحكومة. تعالت أَبواق الإشادة الإعلامية بالحدث الفارق: أول امرأة تتولى قيادة الجهاز التنفيذي في تاريخ المغرب! مساحيقُ تقدمية صُبّت بتسرع على واقعٍ سياسي بائس، إذ خلف الستار الدستوري البراق للفصل 47، كان الشارع يعاين اغتيال الإرادة الشعبية على المباشر.
كيف يستقيم القول بنزاهة الخيار الديمقراطي بينما الحزب الفائز غارق في فضائح التزوير الانتخابي والجريمة المالية العابرة للحدود؟
في الوقت الذي كانت فيه منسقة القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة تعد خطبة التتويج، كان عمدة طنجة المنتمي لحزبها، منير ليموري، يقضي أولى لياليه قيد الحراسة النظرية. تم توقيفه في المطار إثر عودته المتسرعة من إسبانيا ليُحقَّق معه أمام الضابطة القضائية؛ والسبب؟ أكياسٌ مملوءة بأوراق تصويت مُعلمة مسبقاً لصالح «البام»، جرى ضبطها داخل مراكز الاقتراع بدائرة طنجة-أصيلة، بينما يقبع خَمسةٌ من المتورطين — بينهم رؤساء مراكز وأعضاء مكتب — قيد الاعتقال الاحتياطي.
من التزوير الصناعي إلى شبكات تجار المخدرات: هل نحن أمام حزب سياسي أم امتياز شبكي للتكسب؟
لم يكن خزيُ صناديق طنجة سوى الشجرة التي تخفي غابةً من الفساد المؤسساتي. فالحزب الذي تأسس عام 2008 بشعار «تخليق الحياة السياسية»، تحول إلى مركز ثقل لأضخم الفضائح القضائية في تاريخ المملكة:
- ظلال «إسكوبار الصحراء»: هو الحزب ذاته الذي قبعت كبار قياداته خلف الأسوار بأحكام سجن ثقيلة — وعلى رأسهم عبد النبي بعيوي (رئيس جهة الشرق السابق) وسعيد الناصري (البرلماني السابق ورئيس الوداد) — إثر تورطهم في شبكات دولية لتهريب المخدرات، والاستيلاء على العقارات، وتبييض الأموال.
- برلمانيون في حالة فرار ومذكرات بحث: عشرات المدافعين عن ألوان الحزب، من رؤساء جماعات ونواب، يواجهون اليوم تهم اختلاس المال العام، فيما فضّل بعضهم الفرار خارج الوطن هرباً من الملاحقة القضائية الدولية.
من تزوير المحاضر في طنجة إلى امتدادات مالية مشبوهة، تظل الآلية واحدة: مصادرة القرار السياسي بالمال الفاسد، والزبونية، والاستقواء بالنفوذ.
ومع ذلك، وحسب الرواية الرسمية، حُسم الأمر في أربعة أيام فقط. دون انتظار نتائج التحقيقات القضائية في جرائم الاقتراع بطنجة، ودون أدنى اعتبار للرسالة المأساوية التي يبعثها تتويج تنظيم تنخر الفضائح أركانه، صدر القرار وكأن شيئاً لم يكن.
- كأن أظرفة الاقتراع لم تُحشَ زوراً في ثالث أكبر مدن المملكة.
- كأن 62% من المواطنين الذين قاطعوا هذه المسرحية لم يعبروا عن قرفهم من نتائج محسومة مقدماً.
- وكأن صناعة الوهم الديمقراطي أضحت أوجب من الاحترام الأدنى للسيادة الشعبية.
أهذه هي العدالة المنشودة؟ مجرد ستارة دخان إدارية لامتصاص الغضب في انتظار تمكين حكومة مفتقدة للشرعية؟
إن الدفع بفاطمة الزهراء المنصوري إلى سدة الحكم في هذه الظروف لا يمثل مجرد تجاوز للسطحيات، بل ينطوي على مأسسة للإفلات من العقاب. لقد أُريد لـ «دبلوماسية المناصب» وورقة التمكين النسائي أن تكونا غطاءً لهيكل سياسي متهالك عاجز عن تطهير صفوفه.
إن سؤالاً حارقاً يفرض نفسه اليوم: إذا كانت القاعدة الانتخابية للحزب في كبريات المدن قائمة على المحاضر المزوّرة، وقياداته تتساقط كأوراق الخريف أمام القضاء، فما هي القيمة الحقيقية لـ 97 مقعداً المزعومة؟
تتولى المنصوري المهمة في بلد يئن تحت وطأة الاحتقان الاجتماعي، وأزمة بطالة متفاقمة بين الشباب، واستحقاقات كبرى ككأس العالم 2030. لكن بأي رصيد أخلاقي وسياسي؟
إن حكومةً تُولد تحت ظلال القيود، ومذكرات التفتيش، وشبهات التزوير، لا توحي بالثقة بل تفرض التوجس. إن الديمقراطية لا تُطبع في الخفاء ولا تُصنع بالمظاهر؛ بل تُثبت بالشفافية والمساءلة… وتلك أدلةٌ تغيب تماماً عن المشهد اليوم.