20 octobre 2026

بين الجيوسياسية والانتهازية قصريرة النظرة: الاستقبال الإيراني على محك العالمية المتبصرة

بقلم مشترك، الحسين بنلعايل نائب رئیس دبلمَتكنيوز و نائب الرئيس لا للظلم بأوروبا. وسيد علي البقالي الطاهري

يقدم المشهد الجيوسياسي المعاصر لوحة ساطعة حيث يُوظَّف الدين والرموز الدينية مراراً وتكراراً لأغراض السيطرة أو الاستعراض السياسي من قبل البعض، بينما تجد لها عند آخرين تطبيقاً عملياً راسخاً في أخلاقيات التضامن والتكاتف. وإن الإعلان الأخير عن فتح الأبواب الإيرانية أمام الطالبات والمدرسات والعائلات الأذربيجانية المتضررة من قيود الحجاب في أذربيجان يجسد بوضوح هذا الشرخ الفاصل بين الإدارة السياسوية والفعل الإنساني العالمي.

أولاً: أربعة عقود من المحن والثبات الإنساني

تواجه إيران منذ أكثر من أربعين عاماً حصاراً اقتصادياً ضارياً، وعقوبات سياسية قاسية، ومخلفات حرب مستمرة. ورغم هذا الخنق الممتد المخطط له من قبل القوى الغربية، تختار طهران تخصيص موارد لتقديم منح دراسية ومأوى غير مشروط لرות رعايا أجنبيات في محنة. وعكس الدول التي تستخدم المساعدات كأداة ابتزاز جيوسياسي، يبرز الالتزام الإيراني هنا ثباتاً يتجاوز المصاعب الاقتصادية الداخلية.

ثانيثاً: تجاوز الخلافات الطائفية: واقع العالمية الإسلامية

يستحق عنصر أساسي أن يُسلط عليه الضوء، ألا وهو أن أغلبية الشعب الأذربيجاني تنتمي إلى المذهب السني. فعندما تمد إيران يد العون لطالبات سنيات يواجهن إجراءات تعسفية، تقدم الدولة الإيرانية — ذات الأغلبية الشيعية — خطوة تنسف الحسابات الطائفية الضيقة. وهذا الاستقبال يذكّر بأن التطبيق الحقيقي للمبادئ الإسلامية يندرج ضمن إنسانية عالمية، حيث سمو حماية الكرامة الإنسانية والحق في التعلم يتقدم على الانتماءات العقائدية أو التوترات الدبلوماسية.

ثالثاً: صمت الأنظمة العربية المتواطئ وتريث طهران

يكتسب هذا الفعل الإنساني أبعاداً أعمق حين نحلل التسلسل الزمني للأحداث؛ إذ لم تتسرع إيران في التدخل الفوري، بل اختارت أولاً منح الدول الإسلامية الوقت والفرصة للتحرك إزاء هذا الظلم. غير أنه، وأمام الصمت المطبق وعجز تلك الدول — التي تُعد أغلبيتها سنية لكنها مكبلة بخضوعها الجيوسياسي لأجندات إسرائيل والولايات المتحدة — تحملت طهران مسؤوليتها. فلم تبادر أي من تلك الأنظمة التابعة بأي خطوة لتقديم المأوى أو المنح لهؤلاء النساء والفتيات المستهدفات. ومن هنا، فإن أداء هذا الواجب التضامني جاء استجابة لضرورة إسلامية وأخلاقية صارمة، في مواجهة الفراغ المروع الذي تركه العالم العربي والإسلامي.

رابعاً: باكو في مواجهة تناقضاتها ونداء الضمير

تسلط القيود المفروضة في أذربيجان على ارتداء الحجاب الضوء على نزعة تحجيم للحريات، مغلفة بطلاء حداثي أو أمني زائف. ويشكل صمت العواصم العربية والغربية حيال التمييز الذي تتعرض له هؤلاء الفتيات تبا صارخاً مع رد فعل طهران. وإن الأمم الحية والملتزمة بقيم العدالة مطالبة بالضغط على حكومة باكو للعدول عن قراراتها التعسفية، إلى جانب الإشادة بالنموذج المضاد الذي تقدمه دولة محاصرة رغم كل شيء.

خاتمة: نقاء العطاء في وجه صحراء الضمائر

بين الانتهازية قصيرة النظرة للأنظمة الخاضعة وفعل دولة اختارت، بعد إتاحة الفرصة لإخوانها في النسب للتحرك، أن تفتح ذراعيها الجريحتين، تميل كفة التاريخ لصالح الكرامة. والأهم من ذلك كله، أن إيران لم تطلب شيئاً بالمقابل، مجسدة في الواقع تلك الحقيقة السرمدية التي خلّدها القرآن الكريم: {قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} لآل البيت النبوي الشريف محمد صلى الله عليه وآله وسلام (ص).​وحين تصمت الدوائر الدبلوماسية وتطغى حسابات البلاط على الإيمان، تأتي الحقائب المحمولة على عجل وسط البرد والشقاء لتذكر الأمم النائمة بمعنى الشرف. وستبقى هذه المحطة درساً بليغاً: حين يختبئ المترفون خلف تحالفاتهم ليتخلوا عن بناتهم، يأتي من يُمارس بحقه الخنق ليؤويهن تحت سقف واحد، وفاءً بسيطاً لأخلاق النبوة وخالصة لنهجها.

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *