
صمت المآزر البيضاء وسرعة النظرات المتواطئة: مأساة الأحرار، من رشيد شرقاب إلى محمد زيان
بقلم الحسين بنلعايل نائب رئیس دبلمَتكنيوز و الرئيس النئسسةلا للظلم في أوروبا
تلك أحكام توقع كالصفعات على ضمير الجماعة، وقرارات تُصدر بسرعة برقية لا تعادلها سوى رغبة التستر والإخفاء. كيف لطبيب، لأستاذ جامعي، لرجل علم أنقذت يداه شباناً من بتر محقق ومصير محتوم، أن يجد خلف القضبان نفسه في لمح البصر؟ وهذا لمح البصر ليس مجرد تعبير بليغ، بل هو تجسيد لواقع تلك الكواليس حيث تُصاغ الصفقات وتُدار المصالح في خفاء نظرة خاطفة، وفي ذلك الإشارة الخفية التي يتبادلها الرجال لتثبيت خياناتهم. أليس الخالق عز وجل القائل في محكم كتابه: (يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور) سورة غافر الآية 19.
لم تعد القضية مجرد إجراء قضائي عابر، بل مست القلب المتعفن لمنظومة صحية وأمنية بات فيها السعي نحو كشف الحقيقة تذكرة إعدام مهنية. فما الذي كان يعلمه الأستاذ الدكتور رشيد شرقاب، الملقب محبةً بـطبيب الفقراء، حتى تسابعت الآلة القضائية لإسكاته بمثل هذه الشراسة؟ لقد تحول بتعدد شكاياه ضد اختلالات المركز الاستشفائي الجامعي إلى حجر عثرة مزعج في دواليب آلة محكمة الإغلاق.
إن هذا النمط من القمع السريع ليس استثناءً معزولاً؛ بل يندرج ضمن عقيدة إرهاب مؤسساتي يمثل الأستاذ محمد زيان رمزه الحي الآخر. فالوزير السابق، ونقيب المحامين، ولسان الحق الصادح، يواجه اليوم محنة العزل والقهر الاعتقالي، منتظراً في زنزانته ما يرقص على تخوم الشهادة في غياهب السجون لقاء صلابة موقفه ونبل مسعاه. سواء تعلق الأمر بالطبيب الذي يفضح الانحرافات ويرفض التواطؤ، أو المحامي الذي يكسر محرمات الصمت، تظل وصفة السلطة واحدة: تكسير الأجسام محاولةً لاغتيال الأرواح. ولطالما اختصر المواطنون هذا الخنوع المفروض بمقولة شوف أو اسكت، المنقوشة كقدر محتوم على أبواب الجدران والوطن.
وقد تجلت ضراوة هذا الانتقام برفض طلب السراح المؤقت للدكتور شرقاب، رغم الوقفة التضامنية والتأزير التاريخي لخمسين محامياً جاؤوا ليقيموا سداً منيعاً بوجه الحيف. وحين تصطدم كوكبة من حماة العدالة بجدار أصم، يتأكد أن القرار لم يعد وليد منصات القضاء، بل صدى لتعليمات صادرة عمن يرعبهم انبعاث النور. وما محاكمة رجل كهذا إلا بعث لرسالة ترهيب مرعبة لكل من تجرأ على كسر حاجز الصمت.
أمام آلة البطش هذه التي تتوخى تدجين الضمائر بأحكام مسطورة، يبقى موقف الأحرار راسخاً لا يلين. إنه خيار الكفة الراجحة للكرامة، استحضاراً لموقف السحرة أمام فرعون حين اختاروا الحق دون سواه: (فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا) سورة طه الآية 72.
.