
بين صفين واليوم: عندما يُوظَّف المقدَّس لحماية الباطل
بقلم سي محمد الغازي
✅ َتتقاطع لحظات التاريخ المفصلية في تشابه بنيتها العميقة القائمة على إدارة الرمز و استدعاء المقدس لتجريد صاحب الحق من شرعيته الأخلاقية.
🙌 في معركة صفين، كان رفع المصاحف على أسنة الرماح مناورة عسكرية و عملية استثمار مكثف في رمزية القرآن الكريم ضدّ من يُجسّد قيمه.
✅ كان جيش الشام يعلم يميناً ويقيناً موقف علي بن أبي طالب من القرآن، وهو الذي شهد تنزيله وتأويله، وعرفوا أن مقولة « علي مع القرآن والقرآن مع علي » ليست مجرد شعار، بل حقيقة سلوكية ومعرفية.
ورغم ذلك، نُزع النص من سياقه العدلي، وحُوّل إلى أداة لقطع الطريق على انتصار الحق، في لحظة وُظِّف فيها الرمز الديني لإدانة جوهر الدين نفسه.
👈 اليوم، يتكرر المنطق التاريخي ذاته بصورة حديثة؛ حيث تُمارَس السياسة عبر الآليات النفسية والإعلامية نفسها.
✅ يُعرف عن اليمنيين عبر التاريخ الاستثنائي احتفائهم بمقدسات الإسلام، وتجسيدهم للنصرة والغيرة على الحرمات، وهو ما تجلى مؤخراً في مواقفهم الصلبة تجاه قضايا الأمة المركزية ومقدساتها.
ومع ذلك، تُعاد صياغة المشهد إعلامياً وسياسياً لتوجيه التهمة الأشد غرابة: « محاولة قصف مكة ».
✅ هذا التناقض الصارخ يعكس ذات الاستراتيجية المعتمدة في صفين:
تجريد الخصم من مظلته الأخلاقية: كما سُلب أصحاب علي من حقهم في الاستمرار بالدفاع عن الحق باسم التحكيم بكتاب الله، يُراد للشعب اليمني أن يُحرم من رمزيته الإيمانية عبر اتهامه بالمساس بأقدس بقعة إسلامية.
✅ في صفين حُوّل المصحف إلى جدار يختبئ خلفه الباطل، واليوم تُسقط رمزية الحرمين الشريفين على الصراعات السياسية لتشويه الموقف المبدئي للطرف الآخر.
✅ الافتراء بـقصف مكة يهدف إلى إحداث صدمة شعورية لدى عامة المسلمين تُغني المشككين عن البحث عن الحقيقة ، تماماً كما أحدث رفع المصاحف بلبلة في جيش علي جعلت البسطاء يقفون حائرين أمام الرمز المعلق.
✅ إن العبرة التاريخية من الربط بين اللحظتين تكمن في وعي الأمة بالفرق بين استخدام المقدّس وبين الالتزام بالمقدّس .
فالمقاصد لا تُعرف بالافتراءات الإعلامية ولا بالشعارات البلاغية، بل بالمواقف الناجزة والمسارات التاريخية الممتدة.
وكما كشف التاريخ لاحقاً حقيقة التحكيم في صفين، يظل التاريخ كفيلاً بغربلة الشائعات ليبقى أصل الأشياء ثابتاً: الرمز لا يلغي الحقيقة، والاتهام الموجه لأهل الغيرة على المقدسات ينقلب في النهاية شهادةً على حجم الخصومة لا على صحة الادعاء.